علي الهجويري

133

كشف المحجوب

فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ « 1 » إنهم ينشدون لأنفسهم ملكا أبديا ويقولون « إنما نعمل من أجل اللّه » ولكن سلوك طريق المحبة شيء آخر إذ أن المحبين ، بتنفيذ أوامر اللّه ، لا ينشدون إلا تنفيذ إرادة اللّه ، ولا ينظرون إلى ما سواه . وسنناقش هذا الموضوع في باب الإخلاص . 10 - ومنهم أمير الأمراء ، وسالك طريق القضاء ، أبو إسحاق إبراهيم بن أدهم بن منصور . كان فريد في طريقه ، كبير معاصريه ، ومن مريدى الخضر عليه السّلام . قابل عددا كبيرا من رجال الصوفية ، واتصل بالإمام أبى حنفية ، ومنه تعلم العلم . كان في صدر حياته أميرا على بلخ ؛ وذهب ذات يوم للصيد ، وجرى وحده يقتفى أثر غزال ، فجعل اللّه الغزال يخاطبه بلسان فصيح ، ويقول له : « ألهذا خلقت أم بهذا أمرت ؟ » « 2 » ، فتاب وترك كل شيء ، ودخل طريق الزهد والتصوف واتصل بالفضيل بن عياض وسفيان الثوري . ولم يأكل بعد توبته طعاما إلا ما كان قد كسبه بعمله . وله أقوال في التصوف بديعة رائعة ، وقد قال الجنيد عنه « إبراهيم مفتاح العلوم » ، ويروى عنه أنه قال : « اتخذ اللّه صاحبا وذر الناس جانبا » « 2 » . يعنى أنه إذا اتجه الشخص إلى اللّه بحق وإخلاص ، فان صدق اتجاهه إلى اللّه ، يقتضى أن يدير ظهره للبشر ، طالما كانت صحبة البشر لا شأن لها باللّه . صحبة اللّه هي الإخلاص في اتباع أوامره . وينبع الإخلاص في العبادة من صفاء المحبة ، ويفتح الصفاء في محبة اللّه من بغض المرء للرغبة والشهوة

--> ( 1 ) سورة العنكبوت : آية 6 . ( 2 ) هذه أمور لا دليل يسندها .